المسجد الأقصى، الذي يتّخذ المعنى نفسه والمبنى نفسه للحرم الشريف في القدس، هو موطن الإسراء، ومن رحابهِ عُرجَ بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى، وهو الذي صلّى الرسول الكريم فيه إماما بجميع الأنبياء والمرسلين، وهو اسم للأرض التي دار عليها سور المسجد الأقصى من جهاته الأربع، ومساحة سطحه تزيد على 144 ألف متر مربع، بأطوال 491 مترا من الغرب، و462 مترا من الشرق، و310 أمتار من الشمال، و281 مترا من الجنوب. فهو يشمل الجامع الأقصى (المسجد القبْلي)، والمسجد المرواني، ومسجد قبة الصخرة، ومسجد البراق، والأقصى السفلي، وباب الرحمة، بالإضافة إلى جميع ساحاته وبواباته ومصلّياته وأروقته وما فوقها من المدارس التاريخية ومساطبه وآباره ومبانيه فوق الأرض وتحتها، وجميع الطرق المؤدية إليه، وأسواره الخارجية بما فيها حائط البراق. والمسجد الأقصى للمسلمين وحدهم، وليس لغير المسلمين أي حق فيه، وهو يقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من مدينة القدس القديمة المسورة والبالغة مساحتها حوالي 1 كيلو متر مربع، والتي تحوي عشرات العقارات والمباني الوقفية المربوطة على المسجد الأقصى الذي يخضع لوصاية وإدارة ملك المملكة الأردنية الهاشمية استمرارا لما كانت عليه الحال قبل احتلال عام 1967م.
والمسجد الأقصى ذو أهمية بالغة لجميع المسلمين، وهو جزء من عقيدتهم الإسلامية، ولا يقل أهمية عن المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وقد سمّاه الله سبحانه وتعالى (المسجد الأقصى) في قوله عزّ وجلّ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الإسراء: 1).
والمسجد الأقصى هو الذي أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلّم بشدّ الرِّحال اليه كأحد أقدس ثلاثة مساجد في الاسلام. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم).
وتتمسّك بهذا التعريف التاريخي والديني، كل من وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية، ودائرة قاضي القضاة، ودائرة الإفتاء العام في الأردن، ومفتي القدس، ومجلس أوقاف القدس، والهيئة الإسلامية العليا، ووزارة الأوقاف الفلسطينية، ودائرة قاضي القضاة الفلسطينية. وهذا موضعُ إجماع علماء المسلمين في العالم أيضا، إذ ترفض المرجعيات الدينية الإسلامية محاولات تهويد المسجد الأقصى أو أجزاء منه من قِبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي وأجهزتها المختلفة، والمنظمات اليهودية المتطرفة، بما في ذلك محاولات فرض أسماء غريبة عنه ودخيلة عليه، مثل اسم (جبل الهيكل) المزعوم من بين عدد من الأسماء التهويدية المستحدَثة.
مسجد قبة الصخرة المشرفة

بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بعد استشارته المسلمين، ورصدَ لبنائه خراجَ مصر لسبع سنين، وعهدَ بإدارة العمل إلى اثنين من رجاله هما: رجاء بن حياة ابن جود الكندي، أحد الأعلام في صدر الإسلام، أصله من بيسان، توفي سنة 112هـ/ 730م، ويزيد بن سلام (مولى عبد الملك بن مروان)، وهو من أهل بيت المقدس.
شرع البناؤون في البناء سنة 66ه/685 م، وفرغوا منه سنة 72هـ/ 691م، فبنوا بادئ الأمر قبة السلسلة الواقعة شرقي الصخرة لتكون نموذجا، ثم بنوا المسجد نفسه.
نُقش اسم عبد الملك بن مروان على قناطر التثمينة الوسطى في الناحية الجنوبية الشرقية من الداخل بالخط الكوفي المذهَّب. وجاء في النقش: بنى هذه القبة عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين في سنة اثنتين وسبعين تقبّل الله منه ورضي عنه آمين.
ومما لا ريب فيه أن مسجد قبة الصخرة بقبته الجميلة، وبنائه المتين، وتكوينه الرائع، يمثل آية في فن الهندسة، لا في العصر الذي بُني فيه فحسب، وإنما على مر العصور والأيام. فقد بهرت قبته ببهائها ورونقها وفخامتها وتناسقها كل من أنعم النظر فيها وحاول دراستها من العلماء والباحثين. فهنا يظهر جمال الهندسة العربية ممتزجا بشيء من الطراز الفارسي والأسلوب البيزنطي، فقد اشترك في بناء المسجد صنّاع من العرب والفرس والروم البيزنطيين. وقد أصاب البناءَ شيء من الخراب في عهد الخليفة العباسي المأمون، فأمرَ بترميمه عندما زار بيت المقدس 216هـ/831 م.
وفي خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي زلزلت الأرض 407ه/ 1016م فسقطت على أثرها بعض أجزاء القبة الكبيرة وقسم من سور الأقصى، فرُمّمت القبة في خلافة ولده الظاهر لإعزاز دين الله 413ه/1022م وكانت يومئذ مغطّاة بالرصاص من الخارج وبالفسيفساء من الداخل.
وفي أثناء الاحتلال الصليبي 1187-1099م حوّل الصليبيون مسجد الصخرة إلى كنيسة وجعلوا فيه الصور والتماثيل، وعندما حرّر صلاح الدين الأيوبي القدس قام بتعميرات كثيرة، منها إزالة معالم الكنيسة، ورفع المذبح، ومحو الصور والتماثيل، وإزالة الرخام الذي كان الصليبيون قد كسوا الصخرة به، وتزيين القبة من الداخل بالنقوش الجميلة.
ونُقش أسفل القبة من الداخل فوق أقواس الدهليز الذي في رقبة القبة الكلمات التالية: بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بتجديد تذهيب هذه القبة الشريفة مولانا السلطان الناصر العالم العادل العامل صلاح الدين يوسف بن أيوب تغمّده الله برحمته، وذلك في شهور سنة ست وثمانين وخمسمائة1190 م.
ومن ملوك بني أيوب الذين لهم آثار في مسجد الصخرة، الملك العادل سيف الدين أبو بكر وهو أخو السلطان صلاح الدين، والملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه، والملك الأفضل نور الدين علي، والملك العزيز عثمان الحاجز الخشبي الذي يحيط بالصخرة يعود إلى زمن الملك العزيز عثمان. وذكر مجير الدين الحنبلي أن هؤلاء كلهم كانوا يكنسون الصخرة بأيديهم، ثم يغسلونها بماء الورد، ويوزعون الصدقات على الفقراء في مثل هذه المناسبات. وقد اعتنى السلطان الملك الظاهر بيبرس بعمارة مسجد الصخرة، فجدّد فصوص الصخرة المشرفة التي على الرخام 669هـ/1270م.
وفي زمن السلطان الملك الأشرف قايتبا 872هـ/ 1467م صُنعت الأبواب النحاسية التي في مدخل الصخرة من الغرب.
وفي عهد الأتراك، تمت تعميرات كثيرة على يد السلطان سليمان القانوني، منها أنه عمّر من جديد البابَ الشمالي لمسجد الصخرة، ووضع القسم الأكبر من الرخام، وجدّد أكثر النوافذ الجبصية في الجدران، كما جدّد القاشاني البديع الموجود في قبة السلسلة، وبعض القاشاني الموجود في جدران الصخرة من الخارج يرجع إلى زمنه أيضا.
ومن ملوك بني عثمان الذين اهتموا بتعمير مسجد الصخرة، السلطان محمود 123هـ/1817 م، الذي تم في زمنه تجديد بعض الرخام، والسلطان عبد المجيد 1270ه/ 1853م، والسلطان عبد ال حميد1293ه/ 1876م.
ومنذ عام 1919م فُحصت القبة من جديد فوُجد أن حالتها تسير من سيئ الى أسوأ، إلى أن تولّت الأسرة الهاشمية عملية تعمير مسجد الصخرة والمسجد الأقصى/ الحرم القدسي الشريف، حيث بدأ الإعمار الهاشمي الأول عام 1924م والذي تولّاه الشريف الحسين بن علي وأشرف عليه الأمير (الملك المؤسس لاحقا عبد الله الأول، وتبعه الإعمار الهاشمي الثاني 1953ـــ 1964 برعاية وتمويل من جلالة الملك الحسين بن طلال والذي أكمل تذهيب قبة الصخرة المشرّفة من ماله الخاص عام 1994م، وهو العمل التاريخي الذي أُطلق عليه الإعمار الهاشمي الثالث.
وما زال العمل في الإعمار مستمراً إلى يومنا هذا بالرغم من التحدّيات التي تواجه المسجد الأقصى/ الحرم الشريف، حيث شهد عام 2016م الانتهاء من ترميم فسيفساء قبة الصخرة المشرفة والجامع الأقصى.
الجامع الأقصى (المسجد القِبْلي)

بنى عبد الملك بن مروان الجامعَ الأقصى سنة74هـ/ 693م. وهناك من يقول إن باني هذا الجامع هو الوليد بن عبد الملك الذي انتهى إليه الحكم سنة86هـ/ 705م، لكن يرجَّح أن البناء شُرعَ فيه زمن عبد الملك بن مروان، وانتهي منه في زمن ابنه الوليد بن عبد الملك.
وعندما استرد صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس من الصليبيين583هـ/ 1178م أمر بإصلاح الجامع الأقصى، فجدّد محرابه، ووضع الفسيفساء الجميلة في قبته، وأزال كل أثر فيه للصليبيين. وهناك كتابة بالفسيفساء فوق المحراب تشير إلى ما فعله صلاح الدين، هذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بتجديد هذا المحراب المقدس وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسَّس، عبد الله ووليه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدنيا والدين عندما فتحه الله على يديه سنة 583هـ، وهو يسأل اللهَ إذاعة شكر هذه النعمة واجزال حظِّه من المغفرة والرحمة.
منبر صلاح الدين

هذا المنبر الخشبي الجميل الذي أمر بصنعه نور الدين محمود بن زنكي564هـ/ 1168م) من أجمل المنابر الأثريّة وأدقّها صناعة. وهو من خشب الأبنوس المطعَّم بالسنّ والصدَف، وقد حُفرت على جوانبه الكلمات التالية: (بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بعمله العبدُ الفقير إلى رحمته، الشاكر لنعمته، المجاهد في سبيله، المرابط لإعلاء دينه، الملك العادل نور الدين ركن الإسلام والمسلمين، منصف المظلومين من الظالمين، أبو القاسم محمود بن زنكي بن أيوب ناصر، أمير المؤمنين، أعزّ الله أنصاره، وأدام اقتداره، وأعلى مناره، ونشر في الخافقين ألويته وأعلامه، وأعزّ أولياء دولته، وأذلّ كفّار نعمته، وفتح له وعلى يديه وأقرّ بالنصر والزلفى عيناه، برحمتك يا رب العالمين، وذلك في شهور أربعة وستين وخمسمئة 1168. وكُتب على يمين الخطيب من ناحية المحراب: بسم الله الرحمن الرحيم. في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوِّ والآصال. رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقامِ الصلاةِ وإيتاء الزكاة.
وعلى يسار الخطيب من الجهة الغربية: بسم الله الرحمن الرحيم. إنما يعمرُ مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشَ إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين.
وبقي هذا المنبر التاريخي صامدا في المسجد الأقصى المبارك حتى أتى عليه الحريق الذي أشعله أحد الصهاينة المتطرفين ويدعى مايكل دينس روهن في 21 آب 1969 في المسجد الأقصى وقام بإعادة بناء منبر مماثل له تماما جلالة الملك عبد الله الثاني إلى المسجد الأقصى عام 2007.
سبيل قايتباي 887 هـ/ 1482م

أُنشئ هذا السبيل في البداية بأمر من السلطان المملوكي سيف الدين إينال، ثم أعاد بناءه السلطان الأشرف قايتباي عام 887هـ/1482م كملحق للمدرسة الأشرفية المقابلة له. ولم يتبقَ من سبيل إينال سوى البئر التي أقام قايتباي سبيله عليها.
ولاحقا رُمّم السبيل بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني عام 1300هـ/1883م كما تبين النقوش الكتابية عليه. يعدّ سبيل قايتباي من أشهر سبل القدس وأروعها، ومن أجمل المباني المقببة في ساحة المسجد الأقصى، لكون قبته مثالاً نموذجياً للعمارة المملوكية المتأخرة بصورة عامة، وللعمارة القاهرية بصورة خاصة.
ويتم الدخول إلى هذا السبيل عبر درَج مستدير من الجهة الشرقية. وتتشكل مداميك البناء فيه من حجارة حمراء وصفراء بالتناوب. وفي أعلى البناء هناك شريط للنقش الكتابي التذكاري يتضمن آيات قرآنية بالخط النسخي المملوكي.
ويتميز السبيل بقبته الحجرية العالية ذات الزخرفة المميزة والمغطاة بزخارف الأرابيسك.
وهناك في الطرف العلوي إفريز يحيط بجدران السبيل الأربعة نُقشت عليه السطور التالية بالخط المصري الجميل: بسم الله الرحمن الرحيم، أنشأ هذا السبيل المبارك مولانا الملك الأشرف إينال، ثم جدّده سلطان الإسلام والمسلمين قامع الكفَرة والمشركين ناشر العدل في العالمين السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي أعزّ الله أنصاره في شهر شوال المبارك سنة سبع وثمانين وثمانماية. ثم جدّده الخليفة الأعظم والسلطان المفخم السلطان الغازي عبد الحميد خان بن السلطان الغازي عبد المجيد خان من آل عثمان أعزّ الله ملكه في شهر رجب الفرد سنة ثلاثماية وألف. ومن الجدير ذكره أن محاولة اختراق فاشلة للمسجد الأقصى جرت في عام 1982م بزعامة يهودا مئير جيتس الذي كان يُدعى حاخام الحائط الغربي، وذلك من خلال حفر نفق أسفل بئر سبيل قايتباي حيث يوجد باب أمويّ كان يوصل إلى المسجد الأقصى المبارك، اشتُهر باسم مكتشفه الأوروبي وارن (Warren). وقد قامت لجنة إعمار المسجد الأقصى في الفترة الأخيرة بترميم سبيل قايتباي وإصلاحه.
سبيل باب السلسلة

للوصول إلى سبيل باب السلسلة، يقتضي الأمر الخروج من المسجد الأقصى المبارك من باب السلسلة، القريب من سبيل قاسم باشا، حيث يقع سبيل باب السلسلة مباشرةً مقابل الباب.
ويعود تاريخ هذا السبيل إلى العهد العثماني، حيث بُني سنة 943هـ/1537-1536م، وهو من ضمن مشروع المياه الذي أمر به السلطان سليمان القانوني، الذي شمل إقامة تسعة أسبلة (بقي منها ستة أسبلة فقط)، وتعمير قناة المياه الواردة من برك سليمان. وبالرغم من أن طراز هذا السبيل يختلف عن طرز بقية الأسبلة التي أقيمت في القدس، إلّا أنه يتّسم بالبساطة. وهو عبارة عن حنية حائطية تُعرف باسم (تشتمه) باللغة التركية، فليس هناك غرفة تسبيل أو شبابيك أو بئر كما هي حال الأسبلة الأيوبية أو المملوكية، فهذا السبيل يتكون من حنية تشمل ثلاثة أقسام:
ـــ العلوي: عبارة عن عقد مدبَّب له زخرفة منشارية أو زخرفة إشارة الفارس، وفي صدر العقد زخرفة أصلها نافذة كبيرة قمرية وأسفلها اللوحة التذكارية.
(2) والعرب والعجم عز الإسلام والمسلمين ظل الله في العالمين حامي الحرمين الشريفين السلطان سليمان ابن السلطان سليم خان.
(3) خلّد الله ملكه وسلطانه وأدام عدله وإحسانه بتاريخ ثاني وعشرين شهر رجب المرجّب من شهور سنة ثلاثة وأربعين وتسعمائة.
ـــ القسم السفلي: يتشكل من حوض ماء مستطيل، وتتقدمه حشوة رخامية فُتحت فيها فتحة لخروج الماء من الخزان (صهريج صغير) الذي يقع خلف حنية السبيل.وكان هذا السبيل يتغذى من خطّ قناة السبيل قبل دخول الماء إلى المسجد الأقصى عبر أنابيب فخارية.